فصل: تفسير الآيات رقم (1- 25)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة الانفطار

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ‏(‏4‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ‏(‏6‏)‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ‏(‏7‏)‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏(‏8‏)‏ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ‏(‏9‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ‏(‏10‏)‏ كِرَامًا كَاتِبِينَ ‏(‏11‏)‏ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ‏(‏12‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ‏(‏14‏)‏ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏15‏)‏ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏18‏)‏ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

تتحدث هذه السورة القصيرة عن الانقلاب الكوني الذي تتحدث عنه سورة التكوير‏.‏ ولكنها تتخذ لها شخصية أخرى، وسمتا خاصاً بها، وتتجه إلى مجالات خاصة بها تطوّف بالقلب البشري فيها؛ وإلى لمسات وإيقاعات من لون جديد‏.‏ هادئ عميق‏.‏ لمسات كأنها عتاب‏.‏ وإن كان في طياته وعيد‏!‏

ومن ثم فإنها تختصر في مشاهد الانقلاب، فلا تكون هي طابع السورة الغالب كما هو الشأن في سورة التكوير لأن جو العتاب أهدأ، وإيقاع العتاب أبطأ‏.‏‏.‏ وكذلك إيقاع السورة الموسيقي‏.‏ فهو يحمل هذا الطابع‏.‏ فيتم التناسق في شخصية السورة والتوافق‏!‏

إنها تتحدث في المقطع الأول عن انفطار السماء وانتثار الكواكب، وتفجير البحار وبعثرة القبور كحالات مصاحبة لعلم كل نفس بما قدمت وأخرت، في ذلك اليوم الخطير‏.‏‏.‏

وفي المقطع الثاني تبدأ لمسة العتاب المبطنة بالوعيد، لهذا الإنسان الذي يتلقى من ربه فيوض النعمة في ذاته وخلقته، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها، ولا يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل والنعمة والكرامة‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك‏؟‏ في أي صورة ما شاء ركبك‏}‏‏.‏‏.‏

وفي المقطع الثالث يقرر علة هذا الجحود والإنكار‏.‏ فهي التكذيب بالدين أي بالحساب وعن هذا التكذيب ينشأ كل سوء وكل جحود‏.‏ ومن ثم يؤكد هذا الحساب توكيداً، ويؤكد عاقبته وجزاءه المحتوم‏:‏ ‏{‏كلا‏.‏ بل تكذبون بالدين‏.‏ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين‏.‏ يعلمون ما تفعلون‏.‏ إن الأبرار لفي نعيم‏.‏ وإن الفجار لفي جحيم‏.‏ يصلونها يوم الدين‏.‏ وما هم عنها بغائبين‏}‏‏.‏‏.‏

فأما المقطع الأخير فيصور ضخامة يوم الحساب وهوله، وتجرد النفوس من كل حول فيه، وتفرد الله سبحانه بأمره الجليل‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما يوم الدين‏؟‏ ثم ما أدراك ما يوم الدين‏؟‏ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذ لله‏}‏‏.‏‏.‏

فالسورة في مجموعها حلقة في سلسلة الإيقاعات والطرقات التي يتولاها هذا الجزء كله بشتى الطرق والأساليب‏.‏

‏{‏إذا السمآء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت‏.‏ علمت نفس ما قدمت وأخرت‏}‏‏.‏‏.‏

وقد تحدثنا في السورة الماضية عن الإيحاء الذي يتسرب في الحس من رؤية هذا الكون تتناوله يد القدرة بالتغيير، وتهزه هزة الانقلاب المثير، فلا يبقى شيء على حاله في هذا الكون الكبير‏.‏ وقلنا‏:‏ إن هذا الإيحاء يتجه إلى خلع النفس من كل ما تركن إليه في هذا الوجود، إلا الله سبحانه خالق هذا الوجود، الباقي بعد أن يفنى كل موجود‏.‏ والاتجاه بالقلب إلى الحقيقة الوحيدة الثابتة الدائمة التي لا تحول ولا تزول، ليجد عندها الأمان والاستقرار، في مواجهة الانقلاب والاضطراب والزلزلة والانهيار، في كل ما كان يعهده ثابتاً مستقراً منتظماً انتظاماً يوحي بالخلود‏!‏ ولا خلود إلا للخالق المعبود‏!‏

ويذكر هنا من مظاهر الانقلاب انفطار السماء‏.‏

‏.‏ أي انشقاقها‏.‏ وقد ذكر انشقاق السماء في مواضع أخرى‏:‏ قال في سورة الرحمن‏:‏ ‏{‏فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان‏}‏ وقال في سورة الحاقة‏:‏ ‏{‏وانشقت السماء‏.‏ فهي يومئذ واهية‏}‏ وقال في سورة الانشقاق‏:‏ ‏{‏إذا السماء انشقت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك اليوم العصيب‏.‏ أما المقصود بانشقاق السماء على وجه التحديد فيصعب القول به، كما يصعب القول عن هيئة الانشقاق التي تكون‏.‏‏.‏ وكل ما يستقر في الحس هو مشهد التغير العنيف في هيئة الكون المنظور، وانتهاء نظامه هذا المعهود، وانفراط عقده، الذي يمسك به في هذا النظام الدقيق‏.‏‏.‏

ويشارك في تكوين هذا المشهد ما يذكر عن انتثار الكواكب‏.‏ بعد تماسكها هذا الذي تجري معه في أفلاكها بسرعات هائلة مرعبة، وهي ممسكة في داخل مداراتها لا تتعداها، ولا تهيم على وجهها في هذا الفضاء الذي لا يعلم أحد له نهاية‏.‏ ولو انتثرت كما سيقع لها يوم ينتهي أجلها وأفلتت من ذلك الرباط الوثيق غير المنظور الذي يشدها ويحفظها، لذهبت في الفضاء بدداً، كما تذهب الذرة التي تنفلت من عقالها‏!‏

وتفجير البحار يحتمل أن يكون هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على الأنهار‏.‏ كما يحتمل أن يكون هو تفجير مائها إلى عنصريه‏:‏ الأكسوجين والهيدروجين؛ فتتحول مياهها إلى هذين الغازين كما كانت قبل أن يأذن الله بتجمعهما وتكوين البحار منهما‏.‏ كذلك يحتمل أن يكون هو تفجير ذرات هذين الغازين كما يقع في تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية اليوم‏.‏‏.‏ فيكون هذا التفجير من الضخامة والهول بحيث تعتبر هذه القنابل الحاضرة المروعة لعب أطفال ساذجة‏!‏‏.‏‏.‏ أو أن يكون بهيئة أخرى غير ما يعرف البشر على كل حال‏.‏‏.‏ إنما هو الهول الذي لم تعهده أعصاب البشر في حال من الأحوال‏!‏

وبعثرة القبور‏.‏‏.‏ إما أن تكون بسبب من هذه الأحداث السابقة‏.‏ وإما أن تكون حادثاً بذاته يقع في ذلك اليوم الطويل، الكثير المشاهد والأحداث‏.‏ فتخرج منها الأجساد التي أعاد الله إنشاءها- كما أنشأها أول مرة- لتتلقى حسابها وجزاءها‏.‏‏.‏

يؤيد هذا ويتناسق معه قوله بعد عرض هذه المشاهد والأحداث‏:‏ ‏{‏علمت نفس ما قدمت وأخرت‏}‏‏.‏‏.‏ أي ما فعلته أولاً وما فعلته أخيراً‏.‏ أو ما فعلته في الدنيا، وما تركته وراءها من آثار فعلها‏.‏ أو ما استمتعت به في الدنيا وحدها، وما ادخرته للآخرة بعدها‏.‏

على أية حال سيكون علم كل نفس بهذا مصاحباً لتلك الأهوال العظام‏.‏ وواحداً منها مروّعاً لها كترويع هذه المشاهد والأحداث كلها‏!‏

والتعبير القرآني الفريد يقول‏:‏ ‏{‏علمت نفس‏}‏‏.‏‏.‏ وهو يفيد من جهة المعنى‏:‏ كل نفس‏.‏ ولكنه أرشق وأوقع‏.‏‏.‏ كما أن الأمر لا يقف عند حدود علمها بما قدمت وأخرت‏.‏

فلهذا العلم وقعه العنيف الذي يشبه عنف تلك المشاهد الكونية المتقلبة‏.‏ والتعبير يلقي هذا الظل دون أن يذكره نصاً‏.‏ فإذا هو أرشق كذلك وأوقع‏!‏

وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر، فإذا هو غافل لاه سادر‏.‏‏.‏ هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضيّ، وفيها وعيد خفي، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه‏:‏ نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته‏.‏ ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة‏.‏‏.‏ وهو لا يشكر ولا يقدر‏:‏

‏{‏يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك‏}‏‏.‏‏.‏

إن هذا الخطاب‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏ ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه، وهو «إنسانيته» التي بها تميز عن سائر الأحياء؛ وارتفع إلى أكرم مكان؛ وتجلى فيها إكرام الله له، وكرمه الفائض عليه‏.‏

ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل‏:‏ ‏{‏ما غرك بربك الكريم‏؟‏‏}‏ يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك، راعيك ومربيك، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة‏.‏‏.‏ يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك، فجعلك تقصر في حقه، وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه‏؟‏ وهو ربك الكريم، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره؛ ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تميزك عن سائر خلقه، والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه‏؟‏

ثم يفصل شيئاً من هذا الكرم الإلهي، الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة‏.‏ المشتمل على الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير‏.‏ يفصل شيئاً من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية‏.‏ فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله؛ وهو القادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته‏.‏ فاختياره هذه الصورة له منبثق من كرمه ومن فضله وحده، ومن فيضه المغدق على هذا الإنسان الذي لا يشكر ولا يقدر‏.‏ بل يغتر ويسدر‏!‏

‏{‏يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

إنه خطاب يهز كل ذرة في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته، ويبلغ من القلب شغافه وأعماقه، وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل، ويذكره هذا الجميل، بينما هو سادر في التقصير، سيئ الأدب في حق مولاه الذي خلقه فسواه فعدله‏.‏‏.‏

إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة، أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم، والحب لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة، تفضلاً منه ورعاية ومنة‏.‏ فقد كان قادراً أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها‏.‏ فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة‏.‏

وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سوي الخلقة، معتدل التصميم، وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله‏.‏

وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء‏!‏

وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنساني العضوي ودقته وإحكامه وليس هنا مجال التوسع الكامل في عرض عجائب هذا التكوين‏.‏ ولكنا نكتفي بالإشارة إلى بعضها‏.‏‏.‏

هذه الأجهزة العامة لتكوين الإنسان الجسدي‏.‏‏.‏ الجهاز العظمي‏.‏ والجهاز العضلي‏.‏ والجهاز الجلدي‏.‏ والجهاز الهضمي‏.‏ والجهاز الدموي‏.‏ والجهاز التنفسي‏.‏ والجهاز التناسلي‏.‏ والجهاز اللمفاوي‏.‏ والجهاز العصبي‏.‏ والجهاز البولي‏.‏ وأجهزة الذوق والشم والسمع والبصر‏.‏‏.‏ كل منها عجيبة لا تقاس إليها كل العجائب الصناعية التي يقف الإنسان مدهوشاً أمامها‏.‏ وينسى عجائب ذاته وهي أضخم وأعمق وأدق بما لا يقاس‏!‏

«تقول مجلة العلوم الإنجليزية‏:‏ إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية الفذة؛ وإنه من الصعب جداً بل من المستحيل أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيف، فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك، ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة‏.‏ وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائياً‏.‏ وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة‏.‏ وتضغط عليها بالدرجة التي تقلبها بها، ثم يزول الضغط بقلب الورقة‏.‏ واليد تمسك القلم وتكتب به‏.‏ وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من ملعقة، إلى سكين، إلى آلة الكتابة‏.‏ وتفتح النوافذ وتغلقها، وتحمل كل ما يريده الإنسان‏.‏‏.‏ واليدان تشتملان على سبع وعشرين عظمة وتسع عشرة مجموعة من العضلات لكل منهما»‏.‏

و «إن جزءاً من أذن الإنسان ‏(‏الأذن الوسطى‏)‏ هو سلسلة من نحو آلاف حنية ‏(‏قوس‏)‏ دقيقة معقدة، متدرجة بنظام بالغ، في الحجم والشكل، ويمكن القول بأن هذه الحنيات تشبه آلة موسيقية‏.‏ ويبدو أنها معدة بحيث تلتقط وتنقل إلى المخ، بشكل ما، كل وقع صوت أو ضجة، من قصف الرعد إلى حفيف الشجر‏.‏ فضلاً عن المزيج الرائع من أنغام كل أداة موسيقية في الأركسترا ووحدتها المنسجمة»‏.‏‏.‏

«ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوي على مائة وثلاثين مليوناً من مستقبلات الضوء وهي أطراف الأعصاب، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلاً ونهاراً، والذي تعتبر حركته لا إرادية، الذي يمنع عنها الأتربة والذرات والأجسام الغريبة، كما يكسر من حدة الشمس بما تلقي الأهداب على العين من ظلال‏.‏ وحركة الجفن علاوة على هذه الوقاية تمنع جفاف العين، أما السائل المحيط بالعين والذي يعرف باسم الدموع، فهو أقوى مطهر‏.‏‏.‏‏.‏»‏.‏

«وجهاز الذوق في الإنسان هو اللسان، ويرجع عمله إلى مجموعات من الخلايا الذوقية القائمة في حلمات غشائه المخاطي‏.‏ ولتلك الحلمات أشكال مختلفة، فمنها الخيطية والفطرية والعدسية ويغذي الحلمات فروع من العصب اللساني البلعومي، والعصب الذوقي‏.‏

وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية، فينتقل الأثر إلى المخ‏.‏ وهذا الجهاز موجود في أول الفم، حتى يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار به، وبه يحس المرء المرارة والحلاوة، والبرودة والسخونة، والحامض والملح، واللاذع ونحوه‏.‏ ويحتوي اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة، يتصل كل نتوء منها بالمخ بأكثر من عصب‏.‏ فكم عدد الأعصاب‏؟‏ وما حجمها‏؟‏ وكيف تعمل منفردة، وتتجمع بالإحساس عند المخ «‏؟‏‏.‏

» ويتكون الجهاز العصبي الذي يسيطر على الجسم سيطرة تامة من شعيرات دقيقة تمر في كافة أنحاء الجسم‏.‏ وتتصل بغيرها أكبر منها‏.‏ وهذه بالجهاز المركزي العصبي‏.‏ فإذا ما تأثر جزء من أجزاء الجسم، ولو كان ذلك لتغير بسيط في درجة الحرارة بالجو المحيط، نقلت الشعيرات العصبية هذا الإحساس إلى المراكز المنتشرة في الجسم‏.‏ وهذه توصل الإحساس إلى المخ حيث يمكنه أن يتصرف‏.‏ وتبلغ سرعة سريان الإشارات والتنبيهات في الأعصاب مائة متر في الثانية «‏.‏

» ونحن إذا نظرنا إلى الهضم على أنه عملية في معمل كيماوي، وإلى الطعام الذي نأكله على أنه مواد غفل، فإننا ندرك تواً أنه عملية عجيبة‏.‏ إذ تهضم تقريباً كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسها‏!‏ «

» فأولاً نضع في هذا المعمل أنواعاً من الطعام كمادة غفل دون أي مراعاة للمعمل نفسه، أو تفكير في كيفية معالجة كيمياء الهضم له‏!‏ فنحن نأكل شرائح اللحم والكرنب والحنطة والسمك المقلي، وندفعها بأي قدر من الماء «‏.‏‏.‏

» ومن بين هذا الخليط تختار المعدة تلك الأشياء التي هي ذات فائدة‏.‏ وذلك بتحطيم كل صنف من الطعام إلى أجزائه الكيماوية دون مراعاة للفضلات، وتعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة، تصبح غذاء لمختلف الخلايا‏.‏ وتختار أداة الهضم الجير والكبريت واليود والحديد وكل المواد الأخرى الضرورية، وتعنى بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية، وبإمكان إنتاج الهرمونات، وبأن تكون جميع الحاجات الحيوية للحياة حاضرة في مقادير منتظمة، ومستعدة لمواجهة كل ضرورة‏.‏ وهي تخزن الدهن والمواد الاحتياطية الأخرى، للقاء كل حالة طارئة، مثل الجوع، وتفعل ذلك كله بالرغم من تفكير الإنسان أو تعليله‏.‏ إننا نصب هذه الأنواع التي لا تحصى من المواد في هذا المعمل الكيماوي‏.‏ وبصرف النظر كلية تقريباً عما نتناوله، معتمدين على ما نحسبه عملية ذاتية ‏(‏أوتوماتيكية‏)‏ لإبقائنا على الحياة‏.‏ وحين تتحلل هذه الأطعمة وتجهز من جديد، تقدم باستمرار إلى كل خلية من بلايين الخلايا، التي تبلغ من العدد أكثر من عدد الجنس البشري كله على وجه الأرض‏.‏ ويجب أن يكون التوريد إلى كل خلية فردية مستمراً، وألا يورد سوى تلك المواد التي تحتاج إليها تلك الخلية المعينة لتحويلها إلى عظام وأظافر ولحم وشعر وعينين وأسنان، كما تتلقاها الخلية المختصة‏!‏ «

» فها هنا إذن معمل كيماوي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتكره ذكاء الإنسان‏!‏ وها هنا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه العالم‏!‏ ويتم كل شيء فيه بمنتهى النظام‏!‏ «‏.‏

وكل جهاز من أجهزة الإنسان الأخرى يقال فيه الشيء الكثير‏.‏ ولكن هذه الأجهزة على إعجازها الواضح قد يشارك فيها الحيوان في صورة من الصور‏.‏ إنما تبقى له هو خصائصه العقلية والروحية الفريدة التي هي موضع الامتنان في هذه السورة‏.‏ بصفة خاصة‏:‏ ‏{‏الذي خلقك فسواك فعدلك‏}‏‏.‏ بعد ندائه‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏‏.‏‏.‏

هذا الإدراك العقلي الخاص، الذي لا ندري كنهه‏.‏ إذ إن العقل هو أداتنا لإدراك ما ندرك‏.‏ والعقل لا يدرك ذاته ولا يدرك كيف يدرك‏!‏‏!‏

هذه المدركات‏.‏‏.‏ نفرض أنها كلها تصل إلى المخ عن طريق الجهاز العصبي الدقيق‏.‏ ولكن أين يختزنها‏!‏ إنه لو كان هذا المخ شريطاً مسجلاً لاحتاج الإنسان في خلال الستين عاماً التي هي متوسط عمره إلى آلاف الملايين من الأمتار ليسجل عليها هذا الحشد من الصور والكلمات والمعاني والمشاعر والتأثرات، لكي يذكرها بعد ذلك، كما يذكرها فعلاً بعد عشرات السنين‏!‏

ثم كيف يؤلف بين الكلمات المفردة والمعاني المفردة، والحوادث المفردة، والصور المفردة، ليجعل منها ثقافة مجمعة‏.‏ ثم ليرتقي من المعلومات إلى العلم‏؟‏ ومن المدركات إلى الإدراك‏؟‏ ومن التجارب إلى المعرفة‏؟‏

هذه هي إحدى خصائص الإنسان المميزة‏.‏‏.‏ وهي مع هذا ليست أكبر خصائصه، وليست أعلى مميزاته‏.‏ فهنالك ذلك القبس العجيب من روح الله‏.‏‏.‏ هنالك الروح الإنساني الخاص، الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود، وجمال خالق الوجود؛ ويمنحه تلك اللحظات المجنحة الوضيئة من الاتصال بالمطلق الذي ليس له حدود‏.‏ بعد الاتصال بومضات الجمال في هذا الوجود‏.‏

هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية‏؟‏‏!‏ والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية حتى وهو على هذه الأرض‏.‏ ويصله بالملأ الأعلى، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود‏.‏ وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد‏!‏

هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان‏.‏ وهو الذي به صار إنساناً‏.‏ وهو الذي يخاطبه باسمه‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏‏.‏‏.‏ ويعاتبه ذلك العتاب المخجل‏!‏ ‏{‏ما غرك بربك الكريم‏؟‏‏}‏ هذا العتاب المباشر من الله للإنسان‏.‏ حيث يناديه سبحانه فيقف أمامه مقصراً مذنباً مغتراً غير مقدر لجلال الله، ولا متأدب في جنابه‏.‏‏.‏ ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى‏.‏ ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور‏!‏

إنه عتاب مذيب‏.‏‏.‏ حين يتصور «الإنسان» حقيقة مصدره، وحقيقة مخبره، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه، وهو يناديه النداء، ثم يعاتبه هذا العتاب‏:‏

‏{‏يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم‏.‏

الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يكشف عن علة الغرور والتقصير وهي التكذيب بيوم الحساب ويقرر حقيقة الحساب، واختلاف الجزاء، في توكيد وتشديد‏:‏

‏{‏كلا‏!‏ بل تكذبون بالدين‏.‏ وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون‏.‏ إن الأبرار لفي نعيم‏.‏ وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين‏}‏‏.‏‏.‏

وكلا كلمة ردع وزجر عما هم فيه‏.‏ وبل كلمة إضراب عما مضى من الحديث‏.‏ ودخول في لون من القول جديد‏.‏ لون البيان والتقرير والتوكيد‏.‏ وهو غير العتاب والتذكير والتصوير‏.‏‏.‏

‏{‏كلا‏.‏ بل تكذبون بالدين‏}‏‏.‏‏.‏ تكذبون بالحساب والمؤاخذة والجزاء‏.‏ وهذه هي علة الغرور، وعلة التقصير‏.‏ فما يكذب القلب بالحساب والجزاء ثم يستقيم على هدى ولا خير ولا طاعة‏.‏ وقد ترتفع القلوب وتشف، فتطيع ربها وتعبده حباً فيه، لا خوفاً من عقابه، ولا طمعاً في ثوابه‏.‏ ولكنها تؤمن بيوم الدين وتخشاه، وتتطلع إليه، لتلقى ربها الذي تحبه وتشتاق لقاءه وتتطلع إليه‏.‏ فأما حين يكذب الإنسان تكذيباً بهذا اليوم، فلن يشتمل على أدب ولا طاعة ولا نور‏.‏ ولن يحيا فيه قلب، ولن يستيقظ فيه ضمير‏.‏

تكذبون بيوم الدين‏.‏‏.‏ وأنتم صائرون إليه، وكل ما عملتم محسوب عليكم فيه‏.‏ لا يضيع منه شيء، ولا ينسى منه شيء‏:‏ ‏{‏وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون‏}‏‏.‏‏.‏

وهؤلاء الحافظون هم الأرواح الموكلة بالإنسان من الملائكة التي ترافقه، وتراقبه، وتحصي عليه كل ما يصدر عنه‏.‏‏.‏ ونحن لا ندري كيف يقع هذا كله، ولسنا بمكلفين أن نعرف كيفيته‏.‏ فالله يعلم أننا لم نوهب الاستعداد لإدراكها‏.‏ وأنه لا خير لنا في إدراكها‏.‏ لأنها غير داخلة في وظيفتنا وفي غاية وجودنا‏.‏ فلا ضرورة للخوض فيما وراء المدى الذي كشفه الله لنا من هذا الغيب‏.‏ ويكفي أن يشعر القلب البشري أنه غير متروك سدى‏.‏ وأن عليه حفظة كراماً كاتبين يعلمون ما يفعله، ليرتعش ويستيقظ، ويتأدب‏!‏ وهذا هو المقصود‏!‏

ولما كان جو السورة جو كرم وكرامة، فإنه يذكر من صفة الحافظين كونهم‏.‏‏.‏ ‏{‏كراماً‏}‏‏.‏‏.‏ ليستجيش في القلوب إحساس الخجل والتجمل بحضرة هؤلاء الكرام‏.‏ فإن الإنسان ليحتشم ويستحيي وهو بمحضر الكرام من الناس أن يسف أو يتبذل في لفظ أو حركة أو تصرف‏.‏‏.‏ فكيف به حين يشعر ويتصور أنه في كل لحظاته وفي كل حالاته في حضرة حفظة من الملائكة ‏{‏كرام‏}‏ لا يليق أن يطلعوا منه إلا على كل كريم من الخصال والفعال‏؟‏‏!‏

إن القرآن ليستجيش في القلب أرفع المشاعر بإقرار هذه الحقيقة فيه بهذا التصور الواقعي الحي القريب إلى الإدراك المألوف‏.‏‏.‏

ثم يقرر مصير الأبرار ومصير الفجار بعد الحساب، القائم على ما يكتبه الكرام الكاتبون‏:‏

‏{‏إن الأبرار لفي نعيم‏.‏

وإن الفجار لفي جحيم‏.‏ يصلونها يوم الدين‏.‏ وما هم عنها بغائبين‏}‏‏.‏‏.‏

فهو مصير مؤكد، وعاقبة مقررة‏.‏ أن ينتهي الأبرار إلى النعيم‏.‏ وأن ينتهي الفجار إلى الجحيم‏.‏ والبرّ هو الذي يأتي أعمال البّر حتى تصبح له عادة وصفة ملازمة‏.‏ وأعمال البر هي كل خير على الإطلاق‏.‏ والصفة تتناسق في ظلها مع الكرم والإنسانية‏.‏ كما أن الصفة التي تقابلها‏:‏ ‏{‏الفجار‏}‏ فيها سوء الأدب والتوقح في مقارفة الإثم والمعصية‏.‏ والجحيم هي كفء للفجور‏!‏ ثم يزيد حالهم فيها ظهوراً‏.‏‏.‏ ‏{‏يصلونها يوم الدين‏}‏‏.‏‏.‏ ويزيدها توكيداً وتقريراً‏:‏ ‏{‏وما هم عنها بغائبين‏}‏ لا فراراً ابتداء‏.‏ ولا خلاصاً بعد الوقوع فيها ولو إلى حين‏!‏ فيتم التقابل بين الأبرار والفجار‏.‏ وبين النعيم والجحيم‏.‏ مع زيادة الإيضاح والتقرير لحالة رواد الجحيم‏!‏

ولما كان يوم الدين هو موضع التكذيب، فإنه يعود إليه بعد تقرير ما يقع فيه‏.‏ يعود إليه ليقرر حقيقته الذاتية في تضخيم وتهويل بالتجهيل وبما يصيب النفوس فيه من عجز كامل وتجرد من كل شبهة في عون أو تعاون‏.‏ وليقرر تفرد الله بالأمر في ذلك اليوم العصيب‏:‏

‏{‏وما أدراك ما يوم الدين‏؟‏ ثم ما أدراك ما يوم الدين‏؟‏ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذ لله‏}‏‏.‏‏.‏

والسؤال للتجهيل مألوف في التعبير القرآني‏.‏ وهو يوقع في الحس أن الأمر أعظم جداً وأهول جداً من أن يحيط به إدراك البشر المحدود‏.‏ فهو فوق كل تصور وفوق كل توقع وفوق كل مألوف‏.‏

وتكرار السؤال يزيد في الاستهوال‏.‏‏.‏

ثم يجيء البيان بما يتناسق مع هذا التصوير‏:‏ ‏{‏يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً‏}‏‏.‏‏.‏ فهو العجز الشامل‏.‏ وهو الشلل الكامل‏.‏ وهو الانحسار والانكماش والانفصال بين النفوس المشغولة بهمها وحملها عن كل من تعرف من النفوس‏!‏ ‏{‏والأمر يومئذ لله‏}‏‏.‏‏.‏ يتفرد به سبحانه‏.‏ وهو المتفرد بالأمر في الدنيا والآخرة‏.‏ ولكن في هذا اليوم يوم الدين تتجلى هذه الحقيقة التي قد يغفل عنها في الدنيا الغافلون المغرورون‏.‏ فلا يعود بها خفاء، ولا تغيب عن مخدوع ولا مفتون‏!‏

ويتلاقى هذا الهول الصامت الواجم الجليل في نهاية السورة، مع ذلك الهول المتحرك الهائج المائج في مطلعها‏.‏ وينحصر الحس بين الهولين‏.‏‏.‏ وكلاهما مذهل مهيب رعيب‏!‏ وبينهما ذلك العتاب الجليل المخجل المذيب‏!‏

سورة المطففين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 36‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ‏(‏3‏)‏ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ‏(‏4‏)‏ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ‏(‏7‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ‏(‏8‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏9‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ‏(‏11‏)‏ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏17‏)‏ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ‏(‏18‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ‏(‏19‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏20‏)‏ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏22‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏23‏)‏ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ‏(‏24‏)‏ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ‏(‏25‏)‏ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ‏(‏26‏)‏ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ‏(‏27‏)‏ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏28‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ‏(‏29‏)‏ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ‏(‏30‏)‏ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ‏(‏32‏)‏ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ‏(‏33‏)‏ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ‏(‏34‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏35‏)‏ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

هذه السورة تصور قطاعاً من الواقع العملي الذي كانت الدعوة تواجهه في مكة إلى جانب ما كانت تستهدفه من إيقاظ القلوب، وهز المشاعر، وتوجيهها إلى هذا الحدث في حياة العرب وفي حياة الإنسانية، وهو الرسالة السماوية للأرض، وما تتضمنه من تصور جديد شامل محيط‏.‏

هذا القطاع من الواقع العملي تصوره السورة في أولها، وهي تتهدد المطففين بالويل في اليوم العظيم، ‏{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏‏.‏‏.‏ كما تصوره في ختامها وهي تصف سوء أدب الذين أجرموا مع الذين آمنوا، وتغامزهم عليهم، وضحكهم منهم، وقولهم عنهم‏:‏ ‏{‏إن هؤلاء لضالون‏!‏‏}‏‏.‏

وهذا إلى جانب ما تعرضه من حال الفجار وحال الأبرار؛ ومصير هؤلاء وهؤلاء في ذلك اليوم العظيم‏.‏

وهي تتألف من أربعة مقاطع‏.‏‏.‏ يبدأ المقطع الأول منها بإعلان الحرب على المطففين‏:‏ ‏{‏ويل للمطففين‏.‏ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون؛ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون‏.‏ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏؟‏ يوم يقوم الناس لرب العالمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

ويتحدث المقطع الثاني في شدة وردع وزجر، وتهديد بالويل والهلاك، ودمغ بالإثم والاعتداء، وبيان لسبب هذا العمى وعلة هذا الانطماس، وتصوير لجزائهم يوم القيامة، وعذابهم بالحجاب عن ربهم، كما حجبت الآثام في الأرض قلوبهم، ثم بالجحيم مع الترذيل والتأنيب‏:‏ ‏{‏كلا‏.‏ إن كتاب الفجار لفي سجين‏.‏ ومآ أدراك ما سجين‏؟‏ كتاب مرقوم‏.‏ ويل يومئذ للمكذبين‏!‏ الذين يكذبون بيوم الدين‏.‏ وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال‏:‏ أساطير الأولين‏.‏ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏.‏ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏.‏ ثم إنهم لصالوا الجحيم‏.‏ ثم يقال‏:‏ هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏‏.‏‏.‏

والمقطع الثالث يعرض الصفحة المقابلة‏.‏ صفحة الأبرار‏.‏ ورفعة مقامهم‏.‏ والنعيم المقرر لهم‏.‏ ونضرته التي تفيض على وجوههم‏.‏ والرحيق الذي يشربون وهم على الأرائك ينظرون‏.‏‏.‏ وهي صفحة ناعمة وضيئة‏:‏

‏{‏كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين‏.‏ ومآ أدراك ما عليون‏؟‏ كتاب مرقوم، يشهده المقربون‏.‏ إن الأبرار لفي نعيم، على الأرآئك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم‏.‏ عيناً يشرب بها المقربون‏}‏‏.‏‏.‏

والمقطع الأخير يصف ما كان الأبرار يلاقونه في عالم الغرور الباطل من الفجار من إيذاء وسخرية وسوء أدب‏.‏ ليضع في مقابله ما آل إليه أمر الأبرار وأمر الفجار في عالم الحقيقة الدائم الطويل‏:‏

‏{‏إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين‏.‏ وإذا رأوهم قالوا‏:‏ إن هؤلاء لضالون‏.‏ ومآ أرسلوا عليهم حافظين‏.‏ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرآئك ينظرون‏.‏

هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والسورة في عمومها تمثل جانباً من بيئة الدعوة، كما تمثل جانباً من أسلوب الدعوة في مواجهة واقع البيئة، وواقع النفس البشرية‏.‏‏.‏ وهذا ما سنحاول الكشف عنه في عرضنا للسورة بالتفصيل‏.‏‏.‏

‏{‏ويل للمطففين‏:‏ الذين اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون‏.‏ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏:‏ يوم يقوم الناس لرب العالمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

تبدأ السورة بالحرب يعلنها الله على المطففين‏:‏ ‏{‏ويل للمطففين‏}‏‏.‏‏.‏ والويل‏:‏ الهلاك‏.‏ وسواء كان المراد هو تقرير أن هذا أمر مقضي، أو أن هذا دعاء‏.‏ فهو في الحالين واحد فالدعاء من الله قرار‏.‏‏.‏

وتفسر الآيتان التاليتان معنى المطففين‏.‏ فهم‏:‏ ‏{‏الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون‏.‏ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون‏}‏‏.‏‏.‏ فهم الذين يتقاضون بضاعتهم وافية إذا كانوا شراة‏.‏ ويعطونها للناس ناقصة إذا كانوا بائعين‏.‏‏.‏

ثم تعجب الآيات الثلاثة التالية من أمر المطففين، الذين يتصرفون كأنه ليس هناك حساب على ما يكسبون في الحياة الدنيا؛ وكأن ليس هناك موقف جامع بين يدي الله في يوم عظيم يتم فيه الحساب والجزاء أمام العالمين‏:‏ ‏{‏ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏؟‏ يوم يقوم الناس لرب العالمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية أمر يلفت النظر‏.‏ فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقيدة الكلية‏:‏ كتقرير وحدانية الله، وانطلاق مشيئته، وهيمنته على الكون والناس‏.‏‏.‏ وكحقيقة الوحي والنبوة‏.‏‏.‏ وكحقيقة الآخرة والحساب والجزاء‏.‏ مع العناية بتكوين الحاسة الأخلاقية في عمومها، وربطها بأصول العقيدة‏.‏ أما التصدي لمسألة بذاتها من مسائل الأخلاق كمسألة التطفيف في الكيل والميزان والمعاملات بصفة عامة، فأمر جاء متأخراً في السورة المدنية عند التصدي لتنظيم حياة المجتمع في ظل الدولة الإسلامية، وفق المنهج الإسلامي، الشامل للحياة‏.‏‏.‏

ومن ثم فإن التصدي لهذا الأمر بذاته في هذه السورة المكية أمر يستحق الانتباه‏.‏ وهو يشي بعدة دلالات متنوعة، تكمن وراء هذه الآيات القصار‏.‏‏.‏

إنه يدل أولاً على أن الإسلام كان يواجه في البيئة المكية حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء، الذي كانوا في الوقت ذاته هم أصحاب التجارات الواسعة، التي تكاد تكون احتكاراً‏.‏ فقد كانت هنالك أموال ضخمة في أيدي هؤلاء الكبراء يتجرون بها عن طريق القوافل في رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى الشام‏.‏ كما افتتحوا أسواقاً موسمية كسوق عكاظ في موسم الحج، يقومون فيها بالصفقات ويتناشدون فيها الأشعار‏!‏

والنصوص القرآنية هنا تشي بأن المطففين الذين يتهددهم الله بالويل، ويعلن عليهم هذه الحرب، كانوا طبقة الكبراء ذوي النفوذ، الذي يملكون إكراه الناس على ما يريدون‏.‏ فهم يكتالون ‏{‏على الناس‏}‏‏.‏‏.‏ لا من الناس‏.‏‏.‏ فكأن لهم سلطاناً على الناس بسبب من الأسباب، يجعلهم يستوفون المكيال والميزان منهم استيفاء وقسراً‏.‏ وليس المقصود هو أنهم يستوفون حقاً‏.‏

وإلا فليس في هذا ما يستحق إعلان الحرب عليهم‏.‏ إنما المفهوم أنهم يحصلون بالقسر على أكثر من حقهم، ويستوفون ما يريدون إجباراً‏.‏ فإذا كالوا للناس أو وزنوا كان لهم من السلطان ما يجعلهم ينقصون حق الناس، دون أن يستطيع هؤلاء منهم نصفة ولا استيفاء حق‏.‏‏.‏ ويستوي أن يكون هذا بسلطان الرياسة والجاه القبلي‏.‏ أو بسلطان المال وحاجة الناس لما في أيديهم منه؛ واحتكارهم للتجارة حتى يضطر الناس إلى قبول هذا الجور منهم؛ كما يقع حتى الآن في الأسواق‏.‏‏.‏ فقد كانت هناك حالة من التطفيف صارخة استحقت هذه اللفتة المبكرة‏.‏

كما أن هذه اللفتة المبكرة في البيئة المكية تشي بطبيعة هذا الدين؛ وشمول منهجه للحياة الواقعية وشؤونها العملية؛ وإقامتها على الأساس الأخلاقي العميق الأصيل في طبيعة هذا المنهج الإلهي القويم‏.‏ فقد كره هذه الحالة الصارخة من الظلم والانحراف الأخلاقي في التعامل‏.‏ وهو لم يتسلم بعد زمام الحياة الاجتماعية، لينظمها وفق شريعته بقوة القانون وسلطان الدولة‏.‏ وأرسل هذه الصيحة المدوية بالحرب والويل على المطففين‏.‏ وهم يومئذ سادة مكة، أصحاب السلطان المهيمن لا على أرواح الناس ومشاعرهم عن طريق العقيدة الوثنية فحسب، بل كذلك على اقتصادياتهم وشؤون معاشهم‏.‏ ورفع صوته عالياً في وجه الغبن والبخس الواقع على الناس وهم جمهرة الشعب المستغلين لكبرائه المتجرين بأرزاقه، المرابين المحتكرين، المسيطرين في الوقت ذاته على الجماهير بأوهام الدين‏!‏ فكان الإسلام بهذه الصيحة المنبعثة من ذاته ومن منهجه السماوي موقظاً للجماهير المستغلة‏.‏ ولم يكن قط مخدراً لها حتى وهو محاصر في مكة، بسطوة المتجبرين، المسيطرين على المجتمع بالمال والجاه والدين‏!‏

ومن ثم ندرك طرفاً من الأسباب الحقيقية التي جعلت كبراء قريش يقفون في وجه الدعوة الإسلامية هذه الوقفة العنيدة‏.‏ فهم كانوا يدركون ولا ريب أن هذا الأمر الجديد الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم ليس مجرد عقيدة تكمن في الضمير، ولا تتطلب منهم إلا شهادة منطوقة، بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله‏.‏ وصلاة يقيمونها لله بلا أصنام ولا أوثان‏.‏‏.‏ كلا‏.‏ لقد كانوا يدركون أن هذه العقيدة تعني منهجاً يحطم كل أساس الجاهلية التي تقوم عليها أوضاعهم ومصالحهم ومراكزهم‏.‏ وأن طبيعة هذا المنهج لا تقبل مثنوية ولا تلتئم مع عنصر أرضي غير منبثق من عنصرها السماوي؛ وأنها تهدد كل المقومات الأرضية الهابطة التي تقوم عليها الجاهلية‏.‏‏.‏ ومن ثم شنوا عليها تلك الحرب التي لم تضع أوزارها لا قبل الهجرة ولا بعدها‏.‏ الحرب التي تمثل الدفاع عن أوضاعهم كلها في وجه الأوضاع الإسلامية‏.‏ لا مجرد الاعتقاد والتصور المجردين‏.‏‏.‏

والذين يحاربون سيطرة المنهج الإسلامي على حياة البشر في كل جيل وفي كل أرض يدركون هذه الحقيقة‏.‏ يدركونها جيداً‏.‏ ويعلمون أن أوضاعهم الباطلة، ومصالحهم المغتصبة، وكيانهم الزائف‏.‏

‏.‏‏.‏ وسلوكهم المنحرف‏.‏‏.‏ هذه كلها هي التي يهددها المنهج الإسلامي القويم الكريم‏!‏

والطغاة البغاة الظلمة المطففون في أية صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات هم الذين يشفقون أكثر من غيرهم من سيطرة ذلك المنهج العادل النظيف‏!‏ الذي لا يقبل المساومة، ولا المداهنة، ولا أنصاف الحلول‏؟‏

ولقد أدرك ذلك الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقباء الأوس والخزرج بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة‏:‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف‏:‏ يا معشر الخزرج‏.‏ هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس‏.‏ فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن‏!‏ فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة‏.‏ وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا‏:‏ فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف‏.‏ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا‏؟‏ قال‏:‏ «الجنة»‏.‏ قالوا‏:‏ ابسط يدك‏.‏ فبسط يده فبايعوه‏.‏

فقد أدرك هؤلاء كما أدرك كبراء قريش من قبل طبيعة هذا الدين‏.‏ وأنه قائم كحد السيف للعدل والنصفة وإقامة حياة الناس على ذلك، لا يقبل من طاغية طغياناً، ولا من باغ بغياً، ولا من متكبر كبراً‏.‏ ولا يقبل للناس الغبن والخسف والاستغلال‏.‏ ومن ثم يحاربه كل طاغ باغ متكبر مستغل؛ ويقف لدعوته ولدعاته بالمرصاد‏.‏

‏{‏ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏؟‏ يوم يقوم الناس لرب العالمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وإن أمرهم لعجيب‏.‏ فإن مجرد الظن بالبعث لذلك اليوم العظيم‏.‏ يوم يقوم الناس متجردين لرب العالمين، ليس لهم مولى يومئذ سواه، وليس بهم إلا التطلع لما يجريه عليهم من قضاء، وقد علموا أن ليس لهم من دونه ولي ولا نصير‏.‏‏.‏ إن مجرد الظن بأنهم مبعوثون لذلك اليوم كان يكفي ليصدهم عن التطفيف، وأكل أموال الناس بالباطل، واستخدام السلطان في ظلم الناس وبخسهم حقهم في التعامل‏.‏‏.‏ ولكنهم ماضون في التطفيف كأنهم لا يظنون أنهم مبعوثون‏!‏ وهو أمر عجيب، وشأن غريب‏!‏

وقد سماهم المطففين في المقطع الأول‏.‏ فأما في المقطع الثاني فيسميهم الفجار‏.‏ إذ يدخلهم في زمرة الفجار، ويتحدث عن هؤلاء‏.‏ يتحدث عن اعتبارهم عند الله، وعن حالهم في الحياة‏.‏ وعما ينتظرهم يوم يبعثون ليوم عظيم‏.‏

‏{‏كلا‏!‏ إن كتاب الفجار لفي سجين‏.‏ وما أدراك ما سجين‏؟‏ كتاب مرقوم‏.‏ ويل يومئذ للمكذبين‏:‏ الذين يكذبون بيوم الدين؛ وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين‏.‏

كلا‏!‏ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏.‏ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏.‏ ثم إنهم لصالوا الجحيم‏.‏ ثم يقال‏:‏ هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏‏.‏‏.‏

إنهم لا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏.‏‏.‏ فالقرآن يردعهم عن هذا ويزجرهم، ويؤكد أن لهم كتاباً تحصى فيه أعمالهم‏.‏‏.‏ ويحدد موضعه زيادة في التوكيد‏.‏ ويوعدهم بالويل في ذلك اليوم الذي يعرض فيه كتابهم المرقوم‏:‏

‏{‏كلا‏.‏ إن كتاب الفجار لفي سجين‏.‏ وما أدراك ما سجين‏؟‏ كتاب مرقوم‏.‏ ويل يومئذ للمكذبين‏}‏ ‏!‏‏.‏

والفجار هم المتجاوزون للحد في المعصية والإثم‏.‏ واللفظ يوحي بذاته بهذا المعنى‏.‏ وكتابهم هو سجل أعمالهم‏.‏ ولا ندري نحن ماهيته ولم نكلف هذا‏.‏ وهو غيب لا نعرف عنه إلا بمقدار ما يخبرنا عنه صاحبه ولا زيادة فهناك سجل لأعمال الفجار يقول القرآن‏:‏ إنه في سجين‏.‏ ثم يسأل سؤال الاستهوال المعهود في التعبير القرآني‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما سجين‏؟‏‏}‏ فيلقي ظلال التفخيم ويشعر المخاطب أن الأمر أكبر من إدراكه، وأضخم من أن يحيط به علمه‏.‏ ولكنه بقوله‏:‏ ‏{‏إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ يكون قد حدد له موضعاً معيناً، وإن يكن مجهولاً للإنسان‏.‏ وهذا التحديد يزيد من يقين المخاطب عن طريق الإيحاء بوجود هذا الكتاب‏.‏ وهذا هو الإيحاء المقصود من وراء ذكر هذه الحقيقة بهذا القدر، دون زيادة‏.‏

ثم يعود إلى وصف كتاب الفجار ذاك فيقول‏:‏ إنه ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏‏.‏‏.‏ أي مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا ينقص منه، حتى يعرض في ذلك اليوم العظيم‏.‏

فإذا كان ذلك‏:‏ كان ‏{‏ويل يومئذ للمكذبين‏}‏ ‏!‏

ويحدد موضوع التكذيب، وحقيقة المكذبين‏:‏

‏{‏الذين يكذبون بيوم الدين‏.‏ وما يكذب به إلا كل معتد أثيم‏.‏ إذا تتلى عليه آياتنا قال‏:‏ أساطير الأولين‏}‏‏.‏‏.‏

فالاعتداء والإثم يقودان صاحبهما إلى التكذيب بذلك اليوم؛ وإلى سوء الأدب مع هذا القرآن فيقول عن آياته حين تتلى عليه‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين‏}‏‏.‏‏.‏ لما يحويه من قصص الأولين المسوقة فيه للعبرة والعظة، وبيان سنة الله التي لا تتخلف، والتي تأخذ الناس في ناموس مطرد لا يحيد‏.‏

ويعقب على هذا التطاول والتكذيب بالزجر والردع‏:‏ ‏{‏كلا‏!‏‏}‏ ليس كما يقولون‏.‏‏.‏

ثم يكشف عن علة هذا التطاول وهذا التكذيب؛ وهذه الغفلة عن الحق الواضح وهذا الانطماس في قلوب المكذبين‏:‏

‏{‏بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏}‏‏.‏‏.‏

أي غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية‏.‏ والقلب الذي يمرد على المعصية ينطمس ويظلم؛ ويرين عليه غطاء كثيف يحجب النور عنه ويحجبه عن النور، ويفقده الحساسية شيئاً فشيئاً حتى يتلبد ويموت‏.‏‏.‏

روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه‏.‏ فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت»‏.‏ وقال الترمذي حسن صحيح‏.‏ ولفظ النسائي‏:‏ «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء‏.‏ فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏!‏ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏}‏»‏.‏

وقال الحسن البصري‏:‏ هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت‏.‏‏.‏

ذلك حال الفجار المكذبين‏.‏ وهذه هي علة الفجور والتكذيب‏.‏‏.‏ ثم يذكر شيئاً عن مصيرهم في ذلك اليوم العظيم‏.‏ يناسب علة الفجور والتكذيب‏:‏

‏{‏كلا‏!‏ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏.‏ ثم إنهم لصالوا الجحيم‏.‏ ثم يقال‏:‏ هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏‏.‏‏.‏

لقد حجبت قلوبهم المعاصي والآثام، حجبتها عن الإحساس بربها في الدنيا‏.‏ وطمستها حتى أظلمت وعميت في الحياة‏.‏‏.‏ فالنهاية الطبيعية والجزاء الوفاق في الآخرة أن يحرموا النظر إلى وجه الله الكريم، وأن يحال بينهم وبين هذه السعادة الكبرى، التي لا تتاح إلا لمن شفت روحه ورقت وصفت واستحقت أن تكشف الحجب بينها وبين ربها‏.‏ ممن قال فيهم في سورة القيامة‏:‏

‏{‏وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة‏}‏ وهذا الحجاب عن ربهم، عذاب فوق كل عذاب، وحرمان فوق كل حرمان‏.‏ ونهاية بائسة لإنسان يستمد إنسانيته من مصدر واحد هو اتصاله بروح ربه الكريم‏.‏ فإذا حجب عن هذا المصدر فقد خصائصه كإنسان كريم؛ وارتكس إلى درجة يستحق معها الجحيم‏:‏ ‏{‏ثم إنهم لصالوا الجحيم‏}‏‏.‏‏.‏ ومع الجحيم التأنيب وهو أمرّ من الجحيم‏:‏ ‏{‏ثم يقال‏:‏ هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏ ‏!‏‏!‏

ثم يعرض الصفحة الأخرى‏.‏ صفحة الأبرار‏.‏ على العهد بطريقة القرآن في عرض الصفحتين متقابلتين في الغالب، لتتم المقابلة بين حقيقتين وحالين ونهايتين‏:‏

‏{‏كلا‏!‏ إن كتاب الأبرار لفي عليين‏.‏ وما أدراك ما عليون‏؟‏ كتاب مرقوم، يشهده المقربون‏.‏ إن الأبرار لفي نعيم، على الأرآئك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك‏.‏ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏.‏ ومزاجه من تسنيم‏.‏ عيناً يشرب بها المقربون‏}‏‏.‏‏.‏

وكلمة ‏{‏كلا‏}‏ تجيء في صدر هذا المقطع زجراً عما ذكر قبله من التكذيب في قوله‏:‏ ‏{‏ثم يقال‏:‏ هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏‏.‏‏.‏ ويعقب عليه بقوله‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ ثم يبدأ الحديث عن الأبرار في حزم وفي توكيد‏.‏

فإذا كان كتاب الفجار في ‏{‏سجين‏}‏ فإن كتاب الأبرار في ‏{‏عليين‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ والأبرار هم الطائعون الفاعلون كل خير‏.‏ وهم يقابلون الفجار العصاة المتجاوزين لكل حد‏.‏‏.‏

ولفظ ‏{‏عليين‏}‏ يوحي بالعلو والارتفاع مما قد يؤخذ منه أن ‏{‏سجين‏}‏ يفيد الانحطاط والسفول‏.‏ ثم يعقب عليه بسؤال التجهيل والتهويل المعهود‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما عليون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ فهو أمر فوق العلم والإدراك‏!‏

ويعود من هذا الظل الموحي إلى تقرير حقيقة كتاب الأبرار‏.‏

‏.‏ فهو ‏{‏كتاب مرقوم يشهده المقربون‏}‏ وقد سبق ذكر معنى مرقوم‏.‏ ويضاف إليه هنا أن الملائكة المقربين يشهدون هذا الكتاب ويرونه‏.‏ وتقرير هذه الحقيقة هنا يلقي ظلاً كريماً طاهراً رفيعاً على كتاب الأبرار‏.‏ فهو موضع مشاهدة المقربين من الملائكة، ومتعتهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات‏.‏ وهذا ظل كريم شفيف، يذكر بقصد التكريم‏.‏

ثم يذكر حال الأبرار أنفسهم، أصحاب هذا الكتاب الكريم‏.‏ ويصف ما هم فيه من نعيم في ذلك اليوم العظيم‏:‏

‏{‏إن الأبرار لفي نعيم‏}‏‏.‏‏.‏ يقابل الجحيم الذي ينتهي إليه الفجار‏.‏‏.‏ ‏{‏على الأرائك ينظرون‏}‏ أي إنهم في موضع التكريم، ينظرون حيث يشاءون، لا يغضون من مهانة، ولا يشغلون عن النظر من مشقة‏.‏‏.‏ وهم على الأرائك وهي الأسرة في الحجال‏.‏ وأقرب ما يمثلها عندنا ما نسمية «الناموسية» أو الكلة‏!‏ وصورتها الدنيوية كانت أرقى وأرق مظاهر النعيم عند العربي ذي العيشة الخشنة‏!‏ أما صورتها الأخروية فعلمها عند الله‏.‏ وهي على أية حال أعلى من كل ما يعهده الإنسان مما يستمده من تجاربه في الأرض وتصوراته‏!‏

وهم في هذا النعيم ناعمو النفوس والأجسام، تفيض النضرة على وجوههم وملامحهم حتى ليراها كل راء‏:‏ ‏{‏تعرف في وجوههم نضرة النعيم‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك‏}‏‏.‏‏.‏

والرحيق الشراب الخالص المصفى، الذي لا غش فيه ولا كدرة‏.‏ ووصفه بأنه مختوم ختامه مسك، قد يفيد أنه معد في أوانيه، وأن هذه الأواني مقفلة مختومة، تفض عند الشراب، وهذا يلقي ظل الصيانة والعناية‏.‏ كما أن جعل الختم من المسك فيه أناقة ورفاهية‏!‏ وهذه الصورة لا يدركها البشر إلا في حدود ما يعهدون في الأرض‏.‏ فإذا كانوا هنالك كانت لهم أذواق ومفاهيم تناسب تصورهم الطليق من جو الأرض المحدود‏!‏

وقبل أن يتم وصف الشراب الذي يجيء في الآيتين التاليتين‏:‏ ‏{‏ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون‏}‏‏.‏‏.‏ أي أن هذا الرحيق المختوم يفض ختامه ثم يمزج بشيء من هذه العين المسماة‏:‏ ‏{‏تسنيم‏}‏ التي ‏{‏يشرب بها المقربون‏}‏‏.‏‏.‏ قبل أن يتم الوصف يلقي بهذا الإيقاع، وبهذا التوجه‏:‏ ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏‏.‏‏.‏ وهو إيقاع عميق يدل على كثير‏.‏‏.‏

إن أولئك المطففين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ولا يحسبون حساب اليوم الآخر‏.‏ ويكذبون بيوم الحساب والجزاء‏.‏ ويرين على قلوبهم الإثم والمعصية‏.‏‏.‏ إن هؤلاء إنما يتنافسون من مال أو متاع من متاع الأرض الزهيد‏.‏ يريد كل منهم أن يسبق إليه، وأن يحصل على أكبر نصيب منه‏.‏ ومن ثم يظلم ويفجر ويأثم ويرتكب ما يرتكب في سبيل متاع من متاع الأرض زائل‏.‏‏.‏

وما في هذا العرض القريب الزهيد ينبغي التنافس‏.‏ إنما يكون التنافس في ذلك النعيم وفي ذلك التكريم‏:‏ ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏‏.‏‏.‏ فهو مطلب يستحق المنافسة، وهو أفق يستحق السباق، وهو غاية تستحق الغلاب‏.‏

والذين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض مهما كبر وجل وارتفع وعظم، إنما يتنافسون في حقير قليل فانٍ قريب‏.‏ والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة‏.‏ ولكن الآخرة ثقيلة في ميزانه‏.‏ فهي إذن حقيقة تستحق المنافسة فيها والمسابقة‏.‏‏.‏

ومن عجب أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعاً‏.‏ بينما التنافس في أمر الدنيا ينحط بها جميعاً‏.‏ والسعي لنعيم الآخرة يصلح الأرض ويعمرها ويطهرها للجميع‏.‏ والسعي لعرض الدنيا يدع الأرض مستنقعاً وبيئاً تأكل فيه الديدان بعضها البعض‏.‏ أو تنهش فيه الهوام والحشرات جلود الأبرار الطيبين‏!‏

والتنافس في نعيم الآخرة لا يدع الأرض خراباً بلقعاً كما قد يتصور بعض المنحرفين‏.‏ إنما يجعل الإسلام الدنيا مزرعة الآخرة، ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاح والتقوى وظيفة المؤمن الحق‏.‏ على أن يتوجه بهذه الخلافة إلى الله، ويجعل منها عبادة له تحقق غاية وجوده كما قررها الله سبحانه وهو يقول‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ وإن قوله ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏‏.‏‏.‏ لهو توجيه يمد بأبصار أهل الأرض وقلوبهم وراء رقعة الأرض الصغيرة الزهيدة، بينما هم يعمرون الأرض ويقومون بالخلافة فيها‏.‏ ويرفعها إلى آفاق أرفع وأطهر من المستنقع الآسن بينما هم يطهرون المستنقع وينظفونه‏!‏

إن عمر المرء في هذه العاجلة محدود، وعمره في الآجلة لا يعلم نهايته إلا الله‏.‏ وإن متاع هذه الأرض في ذاته محدود‏.‏ ومتاع الجنة لا تحده تصورات البشر‏.‏ وإن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود‏!‏ فأين مجال من مجال‏؟‏وأين غاية من غاية‏؟‏ حتى بحساب الربح والخسارة فيما يعهد البشر من الحساب‏؟‏‏!‏

ألا إن السياق إلى هناك‏.‏‏.‏ ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏‏.‏‏.‏

وكأنما أطال السياق في عرض صور النعيم الذي ينتظر الأبرار، تمهيداً للحديث عما كانوا يلقون في الأرض من الفجار‏.‏ من أذى واستهزاء وتطاول وادعاء‏.‏‏.‏ وقد أطال في عرضه كذلك‏.‏ ليختمه بالسخرية من الكفار، وهم يشهدون نعيم الأبرار‏:‏

‏{‏إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون‏.‏ وإذا مروا بهم يتغامزون‏.‏ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين‏.‏ وإذا رأوهم قالوا‏:‏ إن هؤلاء لضالون‏.‏‏.‏ وما أرسلوا عليهم حافظين‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والمشاهد التي يرسمها القرآن لسخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا، سوء أدبهم معهم، وتطاولهم عليهم، ووصفهم بأنهم ضالون‏.‏‏.‏ مشاهد منتزعة من واقع البيئة في مكة‏.‏ ولكنها متكررة في أجيال وفي مواطن شتى‏.‏ وكثير من المعاصرين شهدوها كأنما هذه الآيات قد نزلت في وصفها وتصويرها‏.‏ مما يدل على أن طبيعة الفجار المجرمين واحدة متشابهة في موقفها من الأبرار في جميع البيئات والعصور‏!‏‏!‏

‏{‏إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون‏}‏‏.‏

‏.‏ كانوا‏.‏‏.‏ فقد طوى السياق الدنيا العاجلة الزائلة‏.‏ فإذا المخاطبون به في الآخرة‏.‏ يرون نعيم الأبرار الذين آمنوا‏.‏ وهو يذكر لهم ما كان من أمر الدنيا‏!‏

إنهم كانوا يضحكون من الذين آمنوا استهزاء بهم، وسخرية منهم‏.‏ إما لفقرهم ورثاثة حالهم‏.‏ وإما لضعفهم عن رد الأذى‏.‏ وإما لترفعهم عن سفاهة السفهاء‏.‏‏.‏ فكل هذا مما يثير ضحك الذين أجرموا‏.‏ وهم يتخذون المؤمنين مادة لسخريتهم أو فكاهتهم المرذولة‏.‏ وهم يسلطون عليهم الأذى، ثم يضحكون الضحك اللئيم الوضيع، مما يصيب الذين آمنوا، وهم صابرون مترفعون متجملون بأدب المؤمنين‏!‏

‏{‏وإذا مروا بهم يتغامزون‏}‏‏.‏‏.‏ يغمز بعضهم لبعض بعينه‏.‏ أو يشير بيده، أو يأتي بحركة متعارفة بينهم للسخرية من المؤمنين‏.‏ وهي حركة ضعيفة واطية تكشف عن سوء الأدب، والتجرد من التهذيب‏.‏ بقصد إيقاع الانكسار في قلوب المؤمنين، وإصابتهم بالخجل والربكة، وهؤلاء الأوغاد يتغامزون عليهم ساخرين‏!‏

‏{‏وإذا انقلبوا إلى أهلهم‏}‏ بعدما أشبعوا نفوسهم الصغيرة الرديئة من السخرية بالمؤمنين وإيذائهم‏.‏‏.‏ ‏{‏انقلبوا فكهين‏}‏‏.‏‏.‏ راضين عن أنفسهم، مبتهجين بما فعلوا، مستمتعين بهذا الشر الصغير الحقير‏.‏ فلم يتلوموا ولم يندموا، ولم يشعروا بحقارة ما صنعوا وقذارة ما فعلوا‏.‏ وهذا منتهى ما تصل إليه النفس من إسفاف وموت للضمير‏!‏

‏{‏وإذا رأوهم قالوا‏:‏ إن هؤلاء لضالون‏}‏ ‏!‏

وهذه أعجب‏.‏‏.‏ فليس أعجب من أن يتحدث هؤلاء الفجار المجرمون عن الهدى والضلال‏.‏ وأن يزعموا حين يرون المؤمنين، أن المؤمنين ضالون‏.‏ ويشيروا إليهم مؤكدين لهذا الوصف في تشهير وتحقير‏:‏ ‏{‏إن هؤلاء لضالون‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

والفجور لا يقف عند حد، ولا يستحيي من قول، ولا يتلوم من فعل‏.‏ واتهام المؤمنين بأنهم ضالون حين يوجهه الفجار المجرمون، إنما يمثل الفجور في طبيعته التي هي تجاوز لجميع الحدود‏!‏

والقرآن لا يقف ليجادل عن الذين آمنوا، ولا ليناقش طبيعة الفرية‏.‏ فهي كلمة فاجرة لا تستحق المناقشة‏.‏ ولكنه يسخر سخرية عالية من القوم الذين يدسون أنوفهم فيما ليس من شأنهم، ويتطفلون بلا دعوة من أحد في هذا الأمر‏:‏ ‏{‏وما أرسلوا عليهم حافظين‏}‏‏.‏‏.‏ وما وكلوا بشأن هؤلاء المؤمنين، وما أقيموا عليهم رقباء، ولا كلفوا وزنهم وتقدير حالهم‏!‏ فما لهم هم وهذا الوصف وهذا التقرير‏!‏

وينهي بهذه السخرية العالية حكاية ما كان من الذين أجرموا في الدنيا‏.‏‏.‏ ما كان‏.‏‏.‏ ويطوي هذا المشهد الذي انتهى‏.‏ ليعرض المشهد الحاضر والذين آمنوا في ذلك النعيم‏:‏

‏{‏فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون‏.‏ على الأرائك ينظرون‏}‏‏.‏‏.‏

اليوم والكفار محجوبون عن ربهم، يقاسون ألم هذا الحجاب الذي تهدر معه إنسانيتهم، فيصلون الجحيم، مع الترذيل والتأنيب حيث يقال‏:‏ ‏{‏هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏‏.‏‏.‏

اليوم والذين آمنوا على الأرائك ينظرون‏.‏ في ذلك النعيم المقيم، وهم يتناولون الرحيق المختوم بالمسك الممزوج بالتسنيم‏.‏‏.‏

فاليوم‏.‏‏.‏ الذين آمنوا من الكفار يضحكون‏.‏‏.‏

والقرآن يتوجه بالسخرية العالية مرة أخرى وهو يسأل‏:‏

‏{‏هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون‏؟‏‏}‏‏.‏

أجل‏!‏ هل ثوبوا‏؟‏ هل وجدوا ثواب ما فعلوا‏؟‏ وهم لم يجدوا «الثواب» المعروف من الكلمة‏.‏ فنحن نشهدهم اللحظة في الجحيم‏!‏ ولكنهم من غير شك لاقوا جزاء ما فعلوا‏.‏ فهو ثوابهم إذن‏.‏ وياللسخرية الكامنة في كلمة الثواب في هذا المقام‏!‏

ونقف لحظة أمام هذا المشهد الذي يطيل القرآن عرض مناظره وحركاته مشهد سخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا في الدنيا كما أطال من قبل في عرض مشهد نعيم الأبرار وعرض مناظره ومناعمه‏.‏ فنجد أن هذا الإطالة من الناحية التأثيرية فن عال في الأداء التعبيري، كما أنه فن عال في العلاج الشعوري‏.‏ فقد كانت القلة المسلمة في مكة تلاقي من عنت المشركين وأذاهم ما يفعل في النفس البشرية بعنف وعمق‏.‏ وكان ربهم لا يتركهم بلا عون، من تثبيته وتسريته وتأسيته‏.‏

وهذا التصوير المفصل لمواجعهم من أذى المشركين، فيه بلسم لقلوبهم‏.‏ فربهم هو الذي يصف هذه المواجع‏.‏ فهو يراها، وهو لا يهملها وإن أمهل الكافرين حيناً وهذا وحده يكفي قلب المؤمن ويمسح على آلامه وجراحه‏.‏ إن الله يرى كيف يسخر منهم الساخرون‏.‏ وكيف يؤذيهم المجرمون‏.‏ وكيف يتفكه بالآمهم ومواجعهم المتفكهون‏.‏ وكيف لا يتلوم هؤلاء السفلة ولا يندمون‏!‏ إن ربهم يرى هذا كله‏.‏ ويصفه في تنزيله‏.‏ فهو إذن شيء في ميزانه‏.‏‏.‏ وهذا يكفي‏!‏ نعم هذا يكفي حين تستشعره القلوب المؤمنة مهما كانت مجروحة موجوعة‏.‏

ثم إن ربهم يسخر من المجرمين سخرية رفيعة عالية فيها تلميح موجع‏.‏ قد لا تحسه قلوب المجرمين المطموسة المغطاة بالرين المطبق عليها من الذبوب‏.‏ ولكن قلوب المؤمنين الحساسة المرهفة، تحسه وتقدره، وتستريح إليه وتستنيم‏!‏

ثم إن هذه القلوب المؤمنة تشهد حالها عند ربها، ونعيمها في جناته، وكرامتها في الملأ الأعلى‏.‏ على حين تشهد حال أعدائها ومهانتهم في الملأ الأعلى وعذابهم في الجحيم، مع الإهانة والترذيل‏.‏‏.‏ تشهد هذا وذلك في تفصيل وفي تطويل‏.‏ وهي تستشعر حالها وتتذوقه تذوق الواقع اليقين‏.‏ وما من شك أن هذا التذوق يمسح على مرارة ما هي فيه من أذى وسخرية وقلة وضعف‏.‏ وقد يبلغ في بعض القلوب أن تتبدل هذه المرارة فيها بالفعل حلاوة، وهي تشهد هذه المشاهد في ذلك القول الكريم‏.‏

ومما يلاحظ أن هذا كان هو وحده التسلية الإلهية للمؤمنين المعذبين المألومين من وسائل المجرمين الخسيسة، وأذاهم البالغ، وسخريتهم اللئيمة‏.‏‏.‏ الجنة للمؤمنين، والجحيم للكافرين، وتبديل الحالين بين الدنيا والآخرة تمام التبديل‏.‏‏.‏ وهذا كان وحده الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم المبايعين له‏.‏ وهم يبذلون الأموال والنفوس‏!‏

فأما النصر في الدنيا، والغلب في الأرض، فلم يكن أبداً في مكة يذكر في القرآن المكي في معرض التسرية والتثبيت‏.‏

لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة‏.‏ وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع وهي تبذل كل شيء وتحتمل كل شيء إلى شيء في هذه الأرض‏.‏ ولا تنتظر إلا الآخرة‏.‏ ولا ترجو إلا رضوان الله‏.‏ قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية واحتمال، بلا جزاء في هذه الأرض قريب‏.‏ ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة وغلبة الإسلام وظهور المسلمين‏!‏

حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض شيء إلا أن تعطي بلا مقابل‏.‏ وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للجزاء‏.‏ وموعداً كذلك للفصل بين الحق والباطل‏.‏‏.‏ حتى إذا وجدت هذه القلوب، وعلم الله منها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت، وآتاها النصر في الأرض، وائتمنها عليه‏.‏ لا لنفسها‏.‏ ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة، مذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه؛ ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تعطاه‏.‏ وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه‏!‏

وكل الآيات التي ورد فيها ذكر للنصر في الدنيا جاءت في المدينة‏.‏ بعد ذلك‏.‏ وبعد أن أصبح هذا الأمر خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه، وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية تقرره في صورة عملية محددة، تراها الأجيال‏.‏ فلم يكن جزاء على التعب والنصب والتضحية والآلام‏.‏ إنما كان قدراً من قدر الله تكمن وراءه حكمة نحاول رؤيتها الآن‏!‏

سورة الانشقاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 25‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏(‏1‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ‏(‏3‏)‏ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ‏(‏4‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ‏(‏6‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ‏(‏7‏)‏ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏(‏8‏)‏ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ‏(‏10‏)‏ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ‏(‏11‏)‏ وَيَصْلَى سَعِيرًا ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏13‏)‏ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ‏(‏14‏)‏ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ‏(‏15‏)‏ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ‏(‏17‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ‏(‏18‏)‏ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ‏(‏19‏)‏ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ ‏(‏21‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ‏(‏22‏)‏ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ‏(‏23‏)‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏24‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

تبدأ السورة ببعض مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضت بتوسع في سورة التكوير، ثم عرضت بتوسع في سورة التكوير، ثم في سورة الانفطار‏.‏ ومن قبل في سورة النبأ‏.‏ ولكنها هنا ذات طابع خاص‏.‏ طابع الاستسلام لله‏.‏ استسلام السماء واستسلام الأرض، في طواعية وخشوع ويسر‏:‏ ‏{‏إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت‏.‏ وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت‏}‏‏.‏‏.‏

ذلك المطلع الخاشع الجليل تمهيد لخطاب «الإنسان»، وإلقاء الخشوع في قلبه لربه‏.‏ وتذكيره بأمره؛ وبمصيره الذي هو صائر إليه عنده‏.‏ حين ينطبع في حسه ظل الطاعة والخشوع والاستسلام الذي تلقيه في حسه السماء والأرض في المشهد الهائل الجليل‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً، ويصلى سعيراً‏.‏ إنه كان في أهله مسروراً‏.‏ إنه ظن أن لن يحور‏.‏ بلى إن ربه كان به بصيراً‏}‏‏.‏‏.‏

والمقطع الثالث عرض لمشاهد كونية حاضرة، مما يقع تحت حس «الإنسان» لها إيحاؤها ولها دلالتها على التدبير والتقدير، مع التلويح بالقسم بها على أن الناس متقلبون في أحوال مقدرة مدبرة، لا مفر لهم من ركوبهم ومعاناتها‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق؛ لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يجيء المقطع الأخير في السورة تعجيباً من حال الناس الذين لا يؤمنون؛ وهذه هي حقيقة أمرهم، كما عرضت في المقطعين السابقين‏.‏ وتلك هي نهايتهم ونهاية عالمهم كما جاء في مطلع السورة‏:‏ ‏{‏فما لهم لا يؤمنون‏؟‏ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ ثم بيان لعلم الله بما يضمون عليه جوانحهم وتهديد لهم بمصيرهم المحتوم‏:‏ ‏{‏بل الذين كفروا يكذبون‏.‏ والله أعلم بما يوعون‏.‏ فبشرهم بعذاب أليم‏.‏ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.‏ لهم أجر غير ممنون‏}‏‏.‏‏.‏

إنها سورة هادئة الإيقاع، جليلة الإيحاء، يغلب عليها هذا الطابع حتى في مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضتها سورة التكوير في جو عاصف‏.‏ سورة فيها لهجة التبصير المشفق الرحيم، خطوة خطوة‏.‏ في راحة ويسر، وفي إيحاء هادئ عميق‏.‏ والخطاب فيها‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏ فيه تذكير واستجاشة للضمير‏.‏

وهي بترتيب مقاطعها على هذا النحو تطوف بالقلب البشري في مجالات كونية وإنسانية شتى، متعاقبة تعاقباً مقصوداً‏.‏‏.‏ فمن مشهد الاستسلام الكوني‏.‏ إلى لمسة لقلب «الإنسان»‏.‏ إلى مشهد الحساب والجزاء‏.‏ إلى مشهد الكون الحاضر وظواهره الموحية‏.‏ إلى لمسة للقلب البشري أخرى‏.‏ إلى التعجيب من حال الذين لا يؤمنون بعد ذلك كله‏.‏ إلى التهديد بالعذاب الأليم واستثناء المؤمنين بأجر غير ممنون‏.‏‏.‏

كل هذه الجولات والمشاهد والإيحاءات واللمسات في سورة قصيرة لا تتجاوز عدة أسطر‏.‏

‏.‏ وهو ما لا يعهد إلا في هذا الكتاب العجيب‏!‏ فإن هذه الأغراض يتعذر الوفاء بها في الحيز الكبير ولا تؤدى بهذه القوة وبهذا التأثير‏.‏‏.‏ ولكنه القرآن ميسر للذكر؛ يخاطب القلوب مباشرة من منافذها القريبة‏.‏ صبغة العليم الخبير‏!‏

‏{‏إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت‏.‏ وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت‏}‏‏.‏‏.‏

وانشقاق السماء سبق الحديث عنه في سور سابقة‏.‏ أما الجديد هنا فهو استسلام السماء لربها؛ ووقوع الحق عليها، وخضوعها لوقع هذا الحق وطاعتها‏:‏

‏{‏وأذنت لربها وحقت‏}‏‏.‏‏.‏

فإذن السماء لربها‏:‏ استسلامها وطاعتها لأمره في الانشقاق، ‏{‏وحقت‏}‏‏.‏‏.‏ أي وقع عليها الحق‏.‏ واعترفت بأنها محقوقة لربها‏.‏ وهو مظهر من مظاهر الخضوع، لأن هذا حق عليها مسلم به منها‏.‏

والجديد هنا كذلك هو مد الأرض‏:‏ ‏{‏وإذا الأرض مدت‏}‏‏.‏‏.‏ وقد يعني هذا مط رقعتها وشكلها، مما ينشأ عن انقلاب النواميس التي كانت تحكمها، وتحفظها في هذا الشكل الذي انتهت إليه والمقول إنه كري أو بيضاوي والتعبير يجعل وقوع هذا الأمر لها آتياً من فعل خارج عنها، مما يفيده بناء الفعل للمجهول‏:‏ ‏{‏مدت‏}‏‏.‏

‏{‏وألقت ما فيها وتخلت‏}‏‏.‏‏.‏ وهو تعبير يصور الأرض كائنة حية تلقي ما فيها وتتخلى عنه‏.‏ وما فيها كثير‏.‏ منه تلك الخلائق التي لا تحصى، والتي طوتها الأرض في أجيالها التي لا يعلم إلا الله مداها‏.‏ ومنه سائر ما يختبئ في جوف الأرض من معادن ومياه وأسرار لا يعلمها إلا بارئها‏.‏ وقد حملت هذا أجيالاً بعد أجيال، وقروناً بعد قرون‏.‏ حتى إذا كان ذلك اليوم‏:‏ ألقت ما فيها وتخلت‏.‏‏.‏

‏{‏وأذنت لربها وحقت‏}‏‏.‏‏.‏ هي الأخرى كما أذنت السماء لربها وحقت‏.‏ واستجابت لأمره مستسلمة مذعنة، معترفة أن هذا حق عليها، وأنها طائعة لربها بحقه هذا عليها‏.‏‏.‏

وتبدو السماء والأرض بهذه الآيات المصورة ذواتي روح‏.‏ وخليقتين من الأحياء‏.‏ تستمعان للأمر، وتلبيان للفور، وتطيعان طاعة المعترف بالحق، المستسلم لمقتضاه، استسلاماً لا التواء فيه ولا إكراه‏.‏

ومع أن المشهد من مشاهد الانقلاب الكوني في ذلك اليوم‏.‏ فإن صورته هنا يظللها الخشوع والجلال والوقار والهدوء العميق الظلال‏.‏ والذي يتبقى في الحس منه هو ظل الاستسلام الطائع الخاشع في غير ما جلبة ولا معارضة ولا كلام‏!‏

وفي هذا الجو الخاشع الطائع يجيء النداء العلوي للإنسان، وأمامه الكون بسمائه وأرضه مستسلماً لربه هذا الاستسلام‏:‏

‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏‏.‏‏.‏ الذي خلقه ربه بإحسان؛ والذي ميزه بهذه «الإنسانية» التي تفرده في هذا الكون بخصائص كان من شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره من الأرض والسماء‏.‏ وقد نفخ فيه من روحه، وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقي قبس من نوره، والفرح باستقبال فيوضاته، والتطهر بها أو الارتفاع إلى غير حد، حتى يبلغ الكمال المقدر لجنسه، وآفاق هذا الكمال عالية بعيدة‏!‏

‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه‏}‏‏.‏

‏.‏ يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحاً، تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشق طريقك‏.‏‏.‏ لتصل في النهاية إلى ربك‏.‏ فإليه المرجع وإليه المآب‏.‏ بعد الكد والكدح والجهاد‏.‏‏.‏

يا أيها الإنسان‏.‏‏.‏ إنك كادح حتى في متاعك‏.‏‏.‏ فأنت لا تبلغه في هذه الأرض إلا بجهد وكد‏.‏ إن لم يكن جهد بدن وكد عمل، فهو جهد تفكير وكد مشاعر‏.‏ الواجد والمحروم سواء‏.‏ إنما يختلف نوع الكدح ولون العناء، وحقيقة الكدح هي المستقرة في حياة الإنسان‏.‏‏.‏ ثم النهاية في آخر المطاف إلى الله سواء‏.‏

يا أيها الإنسان‏.‏‏.‏ إنك لا تجد الراحة في الأرض أبداً‏.‏ إنما الراحة هناك‏.‏ لمن يقدم لها بالطاعة والاستسلام‏.‏‏.‏ التعب واحد في الأرض والكدح واحد وإن اختلف لونه وطعمه أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك‏.‏‏.‏ فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض‏.‏ وواحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأنه لم يكن كدح ولا كد‏.‏‏.‏

يا أيها الإنسان‏.‏‏.‏ الذي امتاز بخصائص «الإنسان»‏.‏‏.‏ ألا فاختر لنفسك ما يليق بهذا الامتياز الذي خصك به الله، اختر لنفسك الراحة من الكدح عندما تلقاه‏.‏

ولأن هذه اللمسة الكامنة في هذا النداء، فإنه يصل بها مصائر الكادحين عندما يصلون إلى نهاية الطريق، ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء‏:‏

‏{‏وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً، ويصلى سعيراً‏.‏ إنه كان في أهله مسروراً‏.‏ إنه ظن أن لن يحور‏.‏ بلى إن ربه كان به بصيراً‏}‏‏.‏‏.‏

والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرضي السعيد، الذي آمن وأحسن، فرضي الله عنه وكتب له النجاة‏.‏ وهو يحاسب حساباً يسيراً‏.‏ فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب‏.‏ والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها غناء‏.‏‏.‏

عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من نوقش الحساب عذب» قالت‏:‏ قلت‏:‏ أفليس قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فسوف يحاسب حساباً يسيراً‏}‏‏.‏ قال‏:‏ «ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض‏.‏ من نوقش الحساب يوم القيامة عذب»‏.‏

وعنها كذلك قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته‏:‏ «اللهم حاسبني حساباً يسيراً»‏.‏ فلما انصرف قلت‏:‏ يا رسول الله، ما الحساب اليسير‏؟‏ قال‏:‏ «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه‏.‏ من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك»‏.‏

فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتى كتابه بيمينه‏.‏‏.‏ ثم ينجو ‏{‏وينقلب إلى أهله مسروراً‏}‏‏.‏

‏.‏ من الناجين الذين سبقوه إلى الجنة‏.‏‏.‏ وهو تعبير يفيد تجمع المتوافقين على الإيمان والصلاح من أهل الجنة‏.‏ كل من أحب من أهله وصحبه‏.‏ ويصور رجعة الناجي من الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب‏.‏ رجعته متهللاً فرحاً مسروراً بالنجاة واللقاء في الجنان‏!‏

وهو وضع يقابل وضع المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيئ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره‏:‏

‏{‏وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً‏.‏ ويصلي سعيراً‏}‏‏.‏‏.‏

والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال‏.‏ فهذه صورة جديدة‏:‏ صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر‏.‏ وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك من وراء ظهره‏.‏ فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة‏!‏

ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إيتائه باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر‏.‏ إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول؛ وحقيقة الهلاك من وراء التعبير الثاني‏.‏ وهما الحقيقتان المقصود أن نستيقنهما‏.‏ وما وراء ذلك من الأشكال إنما يحيي المشهد ويعمق أثره في الحس، والله أعلم بحقيقة ما يكون كيف تكون‏!‏

فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحاً، وقطع طريقه إلى ربه كدحاً ولكن في المعصية والإثم والضلال يعرف نهايته، ويواجه مصيره، ويدرك أنه العناء الطويل بلا توقف في هذه المرة ولا انتهاء‏.‏ فيدعو ثبوراً، وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء‏.‏ وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به، يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه‏.‏ حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه‏.‏ وهذا هو المعنى الذي أراده المتنبي وهو يقول‏:‏

كفى بك داء أن ترى الموت شافياً *** وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا

فإنما هي التعاسة التي ليس بعدها تعاسة‏.‏ والشقاء الذي ليس بعده شقاء‏!‏‏.‏‏.‏ ‏{‏ويصلى سعيراً‏}‏‏.‏‏.‏ وهذا هو الذي يدعو الهلاك لينقذه منه‏.‏‏.‏ وهيهات هيهات‏!‏

وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعاً إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء‏.‏‏.‏

‏{‏إنه كان في أهله مسروراً‏.‏ إنه ظن أن لن يحور‏}‏‏.‏‏.‏

وذلك كان في الدنيا‏.‏‏.‏ نعم كان‏.‏‏.‏ فنحن الآن مع هذا القرآن في يوم الحساب والجزاء وقد خلفنا الأرض وراءنا بعيداً في الزمان والمكان‏!‏

‏{‏إنه كان في أهله مسروراً‏}‏‏.‏‏.‏ غافلاً عما وراء اللحظة الحاضرة؛ لاهياً عما ينتظره في الدار الآخرة، لا يحسب لها حساباً ولا يقدم لها زاداً‏.‏‏.‏ ‏{‏إنه ظن أن لن يحور‏}‏ إلى ربه، ولن يرجع إلى بارئه، ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئاً للحساب‏!‏

‏{‏بلى إن ربه كان به بصيراً‏}‏‏.‏‏.‏

إنه ظن أن لن يحور‏.‏ ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعاً على أمره، محيطاً بحقيقته، عالماً بحركاته وخطواته، عارفاً أنه صائر إليه، وأنه مجازيه بما كان منه‏.‏

‏.‏ وكذلك كان، حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم الله‏.‏ والذي لم يكن بد أن يكون‏!‏

وصورة هذا التعيس وهو مسرور بين أهله في حياة الأرض القصيرة المشوبة بالكدح في صورة من صور الكدح تقابلها صورة ذلك السعيد، وهو ينقلب إلى أهله مسروراً في حياة الآخرة المديدة، الطليقة، الجميلة، السعيدة، الهنيئة، الخالية من كل شائبة من كدح أو عناء‏.‏‏.‏

ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر بمشاهدها ولمساتها الكثيرة، يعود السياق بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم، وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير، الذي يشملهم كذلك، ويقدّر بإحكام ما يتوارد عليهم من أحوال‏:‏

‏{‏فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق‏.‏‏.‏ لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه اللمحات الكونية التي يلوح بالقسم بها، لتوجيه القلب البشري إليها، وتلقي إيحاءاتها وإيقاعاتها‏.‏‏.‏ لمحات ذات طابع خاص‏.‏ طابع يجمع بين الخشوع الساكن، والجلال المرهوب‏.‏ وهي تتفق في ظلالها مع ظلال مطلع السورة ومشاهدها بصفة عامة‏.‏

فالشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب‏.‏‏.‏ وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة‏.‏ ويحس القلب بمعنى الوداع وما فيه من أسى صامت وشجى عميق‏.‏ كما يحس برهبة الليل القادم، ووحشة الظلام الزاحف‏.‏ ويلفه في النهاية خشوع وخوف خفي وسكون‏!‏

‏{‏والليل وما وسق‏}‏‏.‏‏.‏ هو الليل وما جمع وما حمل‏.‏‏.‏ بهذا التعميم، وبهذا التجهيل، وبهذا التهويل‏.‏ والليل يجمع ويضم ويحمل الكثير‏.‏‏.‏ ويذهب التأمل بعيداً، وهو يتقصى ما يجمعه الليل ويضمه ويحمله من أشياء وأحياء وأحداث ومشاعر، وعوالم خافية ومضمرة، ساربة في الأرض وغائرة في الضمير‏.‏‏.‏ ثم يؤوب من هذه الرحلة المديدة، ولم يبلغ من الصور ما يحتويه النص القرآني القصير‏:‏ ‏{‏والليل وما وسق‏}‏‏.‏‏.‏ إنما يغمره من النص العميق العجيب، رهبة ووجل، وخشوع وسكون تتسق مع الشفق وما يضفيه من خشوع وخوف وسكون‏!‏

‏{‏والقمر إذا اتسق‏}‏‏.‏‏.‏ مشهد كذلك هادئ رائع ساحر‏.‏‏.‏ وهو القمر في ليالي اكتماله‏.‏‏.‏ وهو يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع الموحي بالصمت الجليل، والسياحة المديدة، في العوالم الظاهرة والمكنونة في الشعور‏.‏‏.‏ وهو جو له خفية بجو الشفق، والليل وما وسق‏.‏ يلتقي معهما في الجلال والخشوع والسكون‏.‏‏.‏

هذه اللمحات الكونية الجميلة الجليلة الرائعة المرهوبة الموحية يلتقطها القرآن لقطات سريعة، ويخاطب بها القلب البشري، الذي يغفل عن خطابها الكوني‏.‏ ويلوح بالقسم بها ليبرزها للمشاعر والضمائر، في حيويتها، وجمالها وإيحائها وإيقاعها، ودلالتها على اليد التي تمسك بأقدار هذا الكون، وترسم خطواته، وتبدل أحواله‏.‏‏.‏ وأحوال الناس أيضاً وهم غافلون‏:‏

‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏‏.‏‏.‏ أي لتعانون حالاً بعد حال، وفق ما هو مرسوم لكم من تقديرات وأحوال‏.‏ ويعبر عن معاناة الأحوال المتعاقبة بركوبها‏.‏ والتعبير بركوب الأمور والأخطار والأهوال والأحوال مألوف في التعبير العربي، كقولهم‏:‏ «إن المضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه»‏.‏

‏.‏ وكأن هذه الأحوال مطايا يركبها الناس واحدة بعد واحدة‏.‏ وكل منها تمضي بهم وفق مشيئة القدر الذي يقودها ويقودهم في الطريق، فتنتهي بهم عند غاية تؤدي إلى رأس مرحلة جديدة، مقدرة كذلك مرسومة، كتقدير هذه الأحوال المتعاقبة على الكون من الشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق‏.‏ حتى تنتهي بهم إلى لقاء ربهم، الذي تحدثت عنه الفقرة السالفة‏.‏‏.‏ وهذا التتابع المتناسق في فقرات السورة، والانتقال اللطيف من معنى إلى معنى، ومن جولة إلى جولة، هو سمة من سمات هذا القرآن البديع‏.‏‏.‏

وفي ظل هذه اللمحات الأخيرة، والمشاهد والجولات السابقة لها في السورة، يجيء التعجيب من أمر الذين لا يؤمنون‏.‏ وأمامهم هذا الحشد من موحيات الإيمان ودلائله في أنفسهم وفي الوجود‏:‏

‏{‏فما لهم لا يؤمنون‏؟‏ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

أجل‏!‏ فما لهم لا يؤمنون‏؟‏

إن موحيات الإيمان في لمحات الوجود، وفي أحوال النفوس، تواجه القلب البشري حيثما توجه؛ وتتكاثر عليه أينما كان‏.‏ وهي من الكثرة والعمق والقوة والثقل في ميزان الحقيقة بحيث تحاصر هذا القلب لو أراد التفلت منها‏.‏ بينما هي تناجيه وتناغيه وتناديه حيثما ألقى بسمعه وقلبه إليها‏!‏

‏{‏فما لهم لا يؤمنون‏؟‏ وإذا قرئ عليم القرآن لا يسجدون‏؟‏‏}‏ وهو يخاطبهم بلغة الفطرة، ويفتح قلوبهم على موحيات الإيمان ودلائلة في الأنفس والآفاق‏.‏ ويستجيش في هذه القلوب مشاعر التقوى والخشوع والطاعة والخضوع لبارئ الوجود‏.‏‏.‏ وهو «السجود»‏.‏‏.‏

إن هذا الكون جميل‏.‏ وموح‏.‏ وفيه من اللمحات والومضات واللحظات والسبحات ما يستجيش في القلب البشري أسمى مشاعر الاستجابة والخشوع‏.‏

وإن هذا القرآن جميل‏.‏ موح‏.‏ وفيه من اللمسات والموحيات ما يصل القلب البشري بالوجود الجميل، وببارئ الوجود الجليل‏.‏ ويسكب فيه حقيقة الكون الكبيرة الموحية بحقيقة خالقه العظيم‏.‏‏.‏ ‏{‏فما لهم لا يؤمنون‏؟‏ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

إنه لأمر عجيب حقاً‏.‏ يضرب عنه السياق ليأخذ في بيان حقيقة حال الكفار، وما ينتظرهم من مآل‏:‏

‏{‏بل الذين كفروا يكذبون‏.‏ والله أعلم بما يوعون‏.‏ فبشرهم بعذاب أليم‏}‏‏.‏‏.‏

بل الذين كفروا يكذبون‏.‏ يكذبون إطلاقاً‏.‏ فالتكذيب طابعهم وميسمهم وطبعهم الأصيل‏.‏ والله أعلم بما يكنون في صدورهم، ويضمون عليه جوانحهم، من شر وسوء ودوافع لهذا التكذيب‏.‏‏.‏

ويترك الحديث عنهم، ويتجه بالخطاب إلى الرسول الكريم‏:‏ ‏{‏فبشرهم بعذاب أليم‏}‏‏.‏‏.‏ ويا لها من بشرى لا تسر ولا يودها متطلع إلى بشرى من بشير‏!‏

وفي الوقت ذاته يعرض ما ينتظر المؤمنين الذين لا يكذبون، فيستعدون بالعمل الصالح لما يستقبلون‏.‏ ويجيء هذا العرض في السياق كأنه استثناء من مصير الكفار المكذبين‏:‏

‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.‏ لهم أجر غير ممنون‏}‏‏.‏‏.‏

وهو الذي يقال عنه في اللغة إنه استثناء منقطع‏.‏ فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يكونوا داخلين ابتداء في تلك البشارة السوداء ثم استنثوا منها‏!‏ ولكن التعبير على هذا النحو أشد إثارة للانتباه إلى الأمر المستثنى‏!‏

والأجر غير الممنون‏.‏‏.‏ هو الأجر الدائم غير المقطوع‏.‏‏.‏ في دار البقاء والخلود‏.‏‏.‏

وبهذا الإيقاع الحاسم القصير، تنتهي السورة القصيرة العبارة، البعيدة الآماد في مجالات الكون والضمير‏.‏